أبو العباس الغبريني
287
عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
ورأيت له نظما ونثرا لا بأس بهما ، ورأيت له خطبا في عقود النكاح حسنة . وقيّد أصحابه عنه كثيرا . وذكر لي بعض أصحابنا ان له « تقييدا » على « التلقين » صغير الحجم . وجميع ما طالعته من الكتب التي يوجد عليها خطه في غاية الجودة تقييدا واصلاحا وتطريرا ، وقد رأيت له هذا في فنون كثيرة من الفقه والخلافيات والحديث والأدب واللغة ، وكل ذلك يدل على مشاركته وتحصيله . وهو كان رأس الجماعة الأندلسية ببجاية . كل كان يأتي إلى منزله وعنده مجتمعهم ، أبو عبد اللّه الابار « 1 » وأبو المطرف ابن عميرة « 2 » وأبو بكر ابن سيد الناس « 3 » وأبو عبد اللّه الجنان « 4 » وغيرهم . كان هو شيخ الجماعة وكبيرهم . توفى رحمه اللّه ببجاية يوم الأحد الثامن عشر لشوال سنة خمس وخمسين وستمائة ، ومولده في آخر شهري جمادى سنة تسع وستين وخمسمائة ، وصلّى عليه على شفير القبر تلميذه أبو الحجاج ابن أيوب بوصيته بذلك ، وكان يوم وفاته مشهدا عظيما كأنه يوم عيد ولم يبق من لم يحضره . ولقد أتفق في وقت الحضور للصلاة عليه أن الإمام المذكور تأخر وتقلق الناس ، وكان شيخنا أبو محمد عبد العزيز بن كحيلة « 5 » أحد الحاضرين والخاصّين به من طلبته ، فقال : ننظر من يصلى ينصرف الناس » فقال له بعض الحاضرين : الحق في هذا لولديه أبي عامر وأبي جعفر وكانا بالحضرة ، فقال الفقيه أبو محمد عبد العزيز ما تكلمت إلا بألسنتهما ، فقال له أبو عبد اللّه الأبار : يا فقيه ويجوز بلسانيهما - منكتا عليه في أنه أورد الجمع محل التثنية - فقال الفقيه أبو محمد مجاوبا : نطقت بما نطق اللّه به في القرآن ، قال اللّه تعالى إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما « 6 » وهذا هو الصواب وغيره خطأ . وبعد انقضاء الصلاة وانصراف
--> ( 1 و 2 و 3 و 4 ) انظر تراجم هؤلاء الأعلام في هذا الكتاب . ( 5 ) هو عبد العزيز بن كحيلة البجائي - أبو محمد - وقيل أبو فارس - فقيه مالكي ، من القضاة ، روى عن ابن غريون وغيره . توفى سنة 685 ه . ( 6 ) سورة التحريم ، الآية 4 .